سميح عاطف الزين

652

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أما من ناحيته فإن عليّ بن أبي طالب ( رضي اللّه عنه ) ، كان قد أمضى في مكة ثلاث ليال ، وكانت كافية لأداء الودائع إلى أصحابها ، فلما فرغ من ذلك قام يشدّ الرحال ، قاصدا يثرب مع الفواطم الثلاث ( رضي اللّه عنهن ) ، وتبعهم أيمن بن أم أيمن ، وأبو واقد الليثي ، وآخرون من ضعفاء المسلمين ، الذين لم يستطيعوا الخروج من قبل . . وقد تعقّبه ثمانية رجال من قريش ، يريدون الفتك به ، فاشتبك معهم ، وقتل منهم جناح مولى الحارث بن أمية . . وتابع سيره حتى بلغ قباء في اليوم الثاني من وصول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إليها . . وإذا كان الجهد قد أخذ من علي ( رضي اللّه عنه ) فلأنه يتحمل مسؤولية النساء الثلاث العزيزات على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فصارت سلامتهن أغلى عليه من حياته ، وكذلك مسؤولية من لحق به أثناء خروجه ، فإن ذلك الجهد ، قد أدى إلى ورم في رجليه ، وتشنّج في مفاصله وعروقه . وقد زالت كلها عند مرأى حبيبه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فاندفع نحوه بكل جوارحه ، ليتلقاه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أحضانه ، فيعتنقان ، ويشدان على بعضهما البعض ، حتى خشعت العواطف لاعتناقهما ، وذابت المشاعر لشدّهما . . ورأى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما حلّ بقدمي عليّ ، فأخذ يمسح عليهما بيديه الطاهرتين ، حتى أبلّتا ، ولم يشتك عليّ من بعد فيها شيئا . . وكان المسلمون في يثرب ما يزالون على انتظارهم ، كعادتهم كل يوم ، فلما كان نهار الجمعة الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الأول ، كان أول من رأى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعرفه رجل من اليهود فصرخ بأعلى صوته ، يخبر الناس بقدومه ، وهو يقول :